فصل: (سورة الشورى: الآيات 36- 39).

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{الْجَوارِ} السفن وهي بحذف الياء في الخط لأنها من ياءات الزوائد وبإثباتها وحذفها في اللفظ في كلّ من الوصل والوقف وقد قرىء بها جميعها، قال أبو حيان: جمع جارية وهي صفة جرت مجرى الأسماء فوليت العوامل. وقال الشهاب الحلبي: فإن قلت الصفة متى لم تكن خاصة بموصوفيها امتنع حذف الموصوف، لا تقول: مررت بماش لأن المشي عامّ وتقول مررت بمهندس وكاتب، والجري ليس من الصفات الخاصة بالموصوف وهو السفن فلا يجوز حذفه والجواب أن محل الامتناع إذا لم تجر الصفة مجرى الجوامد بأن تغلب عليها الاسمية كالأبطح والأبرق وإلا جاز حذف الموصوف.
{الأعلام} الجبال جمع علم قالت الخنساء:
وإن صخرا لتأتم الهداة به ** كأنه علم في رأسه نار

وهو أحد معانيه الكثيرة.
{رَواكِدَ} ثوابت لا تجري يقال ركد الماء ركودا من باب قعد سكن وكذلك الريح والسفينة والشمس إذا قام قائم الظهيرة وكل ثابت في مكان فهو راكد وركد الميزان: استوى وركد القوم: هدءوا.
{يُوبِقْهُنَّ} يهلكهنّ يقال وبق يبق مثل وعد يعد ووبق يبق من باب تعب يتعب وبقا بسكون الباء ووبق يوبق وبقا بفتح الباء ووبوقا وموبقا.
واستوبق: هلك فهو وبق وأوبقه إيباقا أهلكه وذلّله وحبسه.

.الإعراب:

{وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كالأعلام} من آياته خبر مقدم والجوار مبتدأ مؤخر وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة خطا ولفظا أو خطا فقط وفي البحر حال وكالأعلام حال أيضا وقد تقدم في باب اللغة أن الجوار غلبت عليها الاسمية وعبارة أبي البقاء الجوار مبتدأ أو فاعل ارتفع بالجار وفي البحر حال منه والعامل فيه الاستقرار ويجوز أن يتعلق بالجوار وكالأعلام على الوجه الأول حال ثانية وعلى الوجه الثاني هي حال من الضمير في الجوار.
{إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ} {إن} شرطية و{يشأ} فعل الشرط والفاعل مستتر جوازا تقديره هو يعود على اللّه تعالى و{يسكن} جواب الشرط و{الريح} مفعول به والفاء عاطفة و{يظللن} فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في محل جزم عطف على {يسكن الريح} وهو بفتح اللام لأن الماضي بكسرها تقول ظللت قائما ونون النسوة اسم يظللن لأنه فعل ناقص و{رواكد} خبرها و{على ظهره} متعلقان برواكد.
{إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} {إن} حرف مشبه بالفعل و{في ذلك} خبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسم إن و{لكل} نعت لآيات و{صبّار} مضاف إليه و{شكور} نعت لصبّار.
{أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ} {أو} حرف عطف و{يوبقهنّ} عطف على {يسكن} أي يفرقهنّ بعصف الريح عليهن، قال الزمخشري: فإن قلت علام عطف {يوبقهنّ}؟ قلت على يسكن لأن المعنى إن يشأ يسكن الريح فيركدن أو يعصفها فيفرقنّ بعصفها أو بطروء خلل على أجهزتها.
و{بما} متعلقان بيوبقهنّ ويجوز في ما أن تكون موصولة أو مصدرية والباء للسببية أي بسبب ما كسبوه من الذنوب و{يعف} عطف على {يسكن} أيضا والمعنى أو إن يشأ يهلك ناسا وينج ناسا على طريق العفو عنهم و{عن كثير} متعلقان بيعف.
{وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ} الواو حرف عطف {ويعلم} معطوف على تعليل مقدّر أي يفرقهم لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون، هكذا قدّره الزمخشري والجلال السيوطي، وردّ أبو حيّان قائلا ويبعد تقديره لينتقم منهم لأن الذي ترتب على الشرط إهلاك قوم ونجاة قوم فلا يحسن تقدير العلة أحد الأمرين. وتعقبه الكرخي فقال في الردّ عليه والدفاع عن إعراب السيوطي: بل يحسن تقديره لينتقم منهم كما قال شيخنا لأن المقصود تعليل الإهلاك فقط الذي قدّره السيوطي بقوله يفرقهم إذ هو المناسب للعلة المعطوفة وهي ويعلم، ودافع الزمخشري عن الإعراب الأول وهو العطف على التعليل المحذوف بقوله: ونحوه في العطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن ومنه قوله تعالى: {ولنجعله آية للناس} وقوله: {وخلق اللّه السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت} أما الزجّاج فأعربه بالنصب على إضمار أن وتبعه أبو البقاء قال: لأن قبلها جزاء تقول: ما تصنع أصنع مثله وأكرمك بالنصب وإن شئت وأكرمك بالرفع على وأنا أكرمك وإن شئت وأكرمك بالجزم، قال الزمخشري: وفي هذا الإعراب نظر لأن سيبويه قال في كتابه: واعلم أن النصب بالفاء والواو في قوله: إن تأتني آتك وأعطيك ضعيف وهو نحو من قوله (وألحق بالحجاز فاستريحا) فهذا يجوز وليس بحدّ الكلام ولا وجهه إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلا لأنه ليس بواجب أنه يفعل إلا أن يكون من الأول فعل فلما ضارع الذي لا يوجبه كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه. قال الزمخشري: ولا يجوز أن تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحد الكلام ولا وجهه ولو كانت من هذا الباب لما أخلى سيبويه منها كتابه وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة. هذا وقد قرىء {ويعلم} بالرفع على الاستئناف على أنه جملة اسمية أو فعلية فعلى كونها اسمية يكون الموصول مفعولا به والفاعل ضميرا مستترا يعود على مبتدأ مضمر أي وهو يعلم الذين استجابوا وعلى كونها فعلية يكون الموصول فاعلا، وقرئ بالجزم بالعطف على الجواب السابق كأنه قال: وإن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور: هلاك قوم ونجاة آخرين وتحذير آخرين، و{الذين} فاعل أو مفعول به كما تقدم وجملة {يجادلون} صلة و{في آياتنا} متعلقان بيجادلون و{ما} نافية أو نافية حجازية و{لهم} خبر مقدم و{من} حرف جر زائد و{محيص} مجرور لفظا مرفوع محلا على الابتداء وعلى أنه اسم {ما} وجملة النفي سدّت مسدّ مفعولي {يعلم} المعلقة بالنفي عن العمل.

.البلاغة:

الريح بين الإفراد والجمع تقدم في موضع آخر من هذا الكتاب أن الريح لم ترد مفردة في القرآن إلا عذابا، وقد حاول بعضهم أن يخرم هذا الإطلاق فقال إن قوله تعالى: {إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره} يخرم هذا الإطلاق لأن الريح المذكورة نعمة. قلت: وهذا فهم خاطئ بل إنه على العكس يؤكد سريان هذه القاعدة على إطلاقها لأنه صدّرها بإن الشرطية فأفهم ذلك أن الأصل في الريح المفردة العذاب وأنه إذا أراد الخروج بها عن إطلاقها قيدها بإن الشرطية حتى إذا تمّ ذلك أعاد الضمير عليها مجموعا فقال فيظللن رواكد أي الرياح، وقد أيد الحديث الشريف ما ذهبنا إليه من الإطلاق فقال: «اللّهمّ اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا».

.[سورة الشورى: الآيات 36- 39].

{فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شيء فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)}.

.الإعراب:

{فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شيء فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا} الفاء استئنافية و{ما} شرطية في محل نصب مفعول به ثان مقدّم لأوتيتم والأول هو ضمير المخاطبين وهو نائب الفاعل و{من شيء} بيان لـ: (ما) في محل نصب حال فمتاع: الفاء رابطة للجواب ومتاع خبر لمبتدأ محذوف أي فهو متاع الحياة الدنيا.
{وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} الواو عاطفة و{ما} موصولة في محل رفع مبتدأ و{عند اللّه} ظرف متعلق بمحذوف لا محل له من الإعراب لأنه صلة لما و{خير} خبر ما {وأبقى} وعطف على {خير} و{للذين آمنوا} متعلقان بأبقى {وعلى ربهم} متعلقان بيتوكلون وجملة {يتوكلون} عطف على {آمنوا} داخلة في حيز الصلة.
{وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ} {والذين} عطف على قوله: {للذين} وجملة {يجتنبون} صلة و{كبائر الإثم} مفعول به و{الفواحش} عطف على {كبائر}.
{وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} الواو عاطفة و{إذا} ظرف متعلق بيغفرون و{ما} زائدة وجملة {غضبوا} في محل جر بإضافة {إذا} إليها و{هم} مبتدأ وجملة {يغفرون} خبرهم والجملة بأسرها عطف على جملة {يجتنبون} داخلة في حيز الصلة والعطف من عطف الاسمية على الفعلية، ويشكل على هذا جواب إذا، وقد جعله أبو البقاء هم يغفرون وهو غير صحيح لأنه لو كان جوابا لاقترن بالفاء والأولى أنه محذوف تقديره يغفرون حذف لدلالة يغفرون الواقعة خبرا عليه.
{وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ} عطف على ما تقدم وجملة {استجابوا} صلة و{لربهم} متعلقان باستجابوا {وأقاموا} فعل وفاعل و{الصلاة} مفعول به {وأمرهم} مبتدأ و{شورى} خبر و{بينهم} ظرف في موضع نصب على الحال وأفرد هذه الجملة بالذكر لمزيد الاهتمام بالشورى وتنويها بها. وقد اختلف في الشورى وأصح الأقوال أنها عامة ويجمعها نظام الحكم قالوا ترك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعمر رضي اللّه عنه الخلافة شورى. {ومما متعلقان} بينفقون وجملة {رزقناهم} صلة.
{وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} عطف على ما تقدم وهي في الإعراب كقوله (وإذا ما غضبوا هم ينتصرون) فيقال فيها ما قيل في تلك ويجوز هنا أن يكون هم تأكيدا للضمير المنصوب في أصابهم أكد بالضمير المرفوع وليس فيه إلا الفصل بين المؤكد والمؤكد بالفاعل والظاهر أنه جائز.

.[سورة الشورى: الآيات 40- 43].

{وَجَزاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)}.

.الإعراب:

{وَجَزاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها} الواو عاطفة و{جزاء سيئة} مبتدأ و{سيئة} خبر و{مثلها} نعت لسيئة وسيأتي معنى هذا الكلام وأسراره في باب البلاغة.
{فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} الفاء تفريعية و{من} اسم شرط جازم مبتدأ و{عفا} فعل ماض في محل جزم فعل الشرط {وأصلح} عطف على {عفا} والفاء رابطة وأجره مبتدأ و{على اللّه} خبر والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من وجملة {إنه لا يحب الظالمين} تعليل وإن واسمها وجملة {لا يحب الظالمين} خبرها.
{وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} الواو عاطفة واللام للابتداء ومن اسم شرط جازم مبتدأ و{انتصر} مثل ماض في محل جزم فعل الشرط و{بعد ظلمه} الظرف متعلق بانتصر و{ظلمه} مضاف إليه والهاء مضافة إلى المصدر والإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله وتؤيده قراءة من قرأ {من بعد ما ظلم} بالبناء للمجهول والفاء رابطة للجواب وأولئك مبتدأ و{ما} نافية و{عليهم} خبر مقدم و{من} حرف جر زائد و{سبيل} مجرور لفظا مرفوع بالابتداء محلا والجملة خبر اسم الإشارة وجملة الإشارة في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ وهو من.
{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} {إنما} كافّة ومكفوفة و{السبيل} مبتدأ و{على الذين} خبره وجملة {يظلمون الناس} صلة.
{وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ} الواو عاطفة و{يبغون} عطف على {يظلمون} و{في الأرض} متعلقان بيبغون و{بغير الحق} حال و{أولئك} مبتدأ و{لهم} خبر مقدم. و{عذاب} مبتدأ مؤخر و{أليم} نعت والجملة خبر {أولئك} وجملة الإشارة نصب على الحال.
{وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} تقدم إعراب نظيرها قريبا فجدد به عهدا، نعم في الكلام حذف الفاء من قوله: {إن ذلك} وهو جواب الشرط. فالأولى جعل من موصولة مبتدأ وقوله: {إن ذلك} خبر، وإن واسمها واللام المزحلقة و{من عزم الأمور} خبر.

.البلاغة:

1- جناس المزاوجة: في قوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} جناس المزاوجة اللفظي فإن السيئة الثانية ليست بسيئة وإنما هي مجازاة عن السيئة، سميت باسمها لقصد المزاوجة، ومثله في البقرة قوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} فقد تقدم القول هناك أنه تعالى سمى جزاء الاعتداء اعتداء ليكون في نظم الكلام مزاوجة وبعضهم يعبّر عنها بالمشاكلة وبعض المحققين لا يجعله من ذلك الباب بل يقول: إن غرضه تعالى أن السيئة ينبغي أن تقابل بالعفو والصفح عنها فإن عدل عن ذلك إلى الجزاء كان ذلك سيئة مثل تلك السيئة وهذا الكلام لا يخلو من نفحة صوفية روحانية.
2- التهذيب: وفي هذه الآية فن التهذيب أيضا فإنها سلمت من المحذور الذي يقتضي تهذيبها، وتفصيل ذلك أنه عند ما يسند الفعل إلى اللّه تعالى ينبغي العدول عن إسناد الإساءة إليه كما في قوله: {يجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} فإن صحة المقابلة في هذا النظم أن يقال ليجزي الذين أساءوا بالإساءة حتى تصحّ مقابلته بقوله: {ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} لكن منع من ذلك التزام الأدب مع اللّه سبحانه في إسناد فعل الإساءة إليه أو الآية التي نحن بصددها فقد أمن فيها ذلك المحذور فأتى النظم على مقتضى البلاغة من مجيء تجنيس الازدواج فيه على وجهه من غير تغير إذ لا ضرورة تدعو إلى تغييره.
وفي قوله: {فمن عفا وأصلح فأجره على اللّه إنه لا يحب الظالمين} فنّ رفيع وهو التهذيب أيضا فإن الانتصار لا يكاد يؤمن فيه تجاوز السيئة والاعتداء خصوصا في حالة الفوران والغليان والتهاب الحمية وفي هذا جواب لمن يتساءل ما معنى ذكر الظلم عقب العفو مع أن الانتصار ليس بظلم. ومن هذا الديباج الخسرواني قوله تعالى: {وإذا أذقنا الإنسان منّا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدّمت أيديهم فإن الإنسان كفور} فلم يقل فإنه كفور ليسجل على هذا الجنس أنه موسوم بكفران النعم كما سيأتي قريبا، ومنه أيضا: {وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم} فوضع الظالمين موضع الضمير الذي كان من حقه أن يعود على اسم إن فيقال ألا إنهم في عذاب مقيم فأتى هذا الظاهر تسجيلا عليهم بلسان ظلمهم وهذا من البديع الذي يسمو على طاقات المبدعين.

.الفوائد:

حذف الفاء الرابطة: قد تحذف الفاء الرابطة في الندرة كقوله صلى الله عليه وسلم لأبيّ بن كعب لما سأله عن اللقطة: «فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها» أخرجه البخاري، أو في الضرورة كقول حسان بن ثابت: